بين المكاتب والشارع الميدان هو الاختبار الحقيقي للمسؤول
بقلم: مني الحديدي
في منظومة العمل الحكومي والخدمي لا تُقاس كفاءة المسؤول بعدد الاجتماعات التي يعقدها، ولا بحجم التقارير التي تُرفع إلى مكتبه ولا بكثرة التصريحات والوعود.
فالإنجاز الحقيقي لا يصنع خلف الأبواب المغلقة بل يتشكل على أرض الواقع حيث يعيش المواطن تفاصيل يومه ويواجه تحدياته.
هناك فارق جوهري بين مسؤول يدير المشهد من خلف مكتب وآخر يختار أن يكون حاضرًا في الشارع وبين الناس.
الأول يرى الأرقام فقط بينما الثاني يرى البشر.
الأول يقرأ عن المشكلة في ورقة بينما الآخر يلمسها بعينه ويسمعها مباشرة من أصحابها.
والفرق بين الرؤيتين يصنع فرقا كبيرا في النتائج.
فالتقارير مهما بلغت دقتها قد لا تنقل الصورة كاملة وقد تخفف من حدة الواقع أو تُغفل تفاصيل مهمة.
لكن النزول إلى الميدان يكشف كل شيء بوضوح
يكشف ازدحام المستشفيات وتعطل بعض الخدمات وطوابير الانتظار وشكاوى المواطنين التي لا تظهر في الجداول الرسمية.
ومن هنا يبرز دور المسؤول الميداني.
المسؤول الذي يتابع بنفسه ويسأل ويستمع ويتخذ قراراته من موقع الحدث يكون أقدر على الفهم وأسرع في الحل وأكثر عدلًا في التقييم.
وجوده لا يمنح المواطنين فقط شعورًا بالاهتمام بل يفرض حالة من الانضباط داخل المؤسسات ويعزز ثقافة العمل الجاد وتحمل المسؤولية.
التجربة أثبتت أن جولة ميدانية حقيقية قد تختصر شهورا من المكاتبات وأن قرارا يتخذ في موقع المشكلة يكون أكثر واقعية وفاعلية من قرارات تصاغ خلف المكاتب.
المواطن اليوم لم يعد يلتفت إلى الكلمات الكبيرة بل إلى الأثر الملموس.
يريد خدمة محترمة وإجراءات ميسّرة ومعاملة إنسانية تحفظ كرامته.
يريد أن يشعر بأن المسؤول قريب منه يسمعه ويتفاعل معه لا بعيدا عنه خلف الحواجز الإدارية.
الإدارة الناجحة لم تعد تعتمد على التوجيه من أعلى فقط بل على التواصل المباشر والمتابعة المستمرة والمحاسبة العادلة.
فالمنصب تكليف قبل أن يكون تشريفًا والمسؤولية الحقيقية تبدأ من الشارع وتنتهي عند رضا الناس.
وفي النهاية تبقى قاعدة بسيطة لا تتغير:
الكرسي وحده لا يصنع إنجازا، لكن الحضور بين الناس هو ما يصنع الفارق الحقيقي.
