رسالة من الخارج إلى الرئيس عبدالفتاح السيسي
بقلم: فواز النمر
ليست الغربة مجرد ابتعاد جغرافي عن الوطن، بل اختبار يومي لعلاقة معقدة بين الانتماء والواجب والقدرة على الاحتمال. وعلى مدار سنوات طويلة، ظل المصريون بالخارج جزءًا أصيلًا من المعادلة الوطنية، يساهمون في دعم الاقتصاد، ويحملون اسم مصر في مواقع العمل والإنتاج حول العالم، دون أن ينقطع خيط الارتباط بينهم وبين دولتهم.
من هذا المنطلق، برز خلال الفترة الأخيرة شعور بالقلق لدى قطاعات واسعة من المصريين المقيمين خارج البلاد، على خلفية بعض القرارات التنفيذية المرتبطة بالإجراءات الجمركية، وخاصة ما يتعلق بالهاتف المحمول الشخصي. هذا القلق لا يمكن فصله عن السياق الأوسع الذي يعيشه المغترب، والذي يجمع بين الالتزامات المعيشية في الخارج، والحرص الدائم على الحفاظ على صلته بوطنه الأم.
يرى كثيرون من المصريين بالخارج أن الهاتف المحمول لم يعد مجرد وسيلة ترفيه أو رفاهية، بل أصبح أداة عمل أساسية، ووسيلة تواصل لا غنى عنها، سواء مع أسرهم داخل مصر أو مع جهات العمل والمؤسسات المختلفة. ومن هنا، جاء تساؤلهم المشروع حول إمكانية إعادة النظر في آلية تطبيق القرار، بما يراعي خصوصية المغترب، دون الإضرار بمصالح الدولة أو فتح الباب أمام أي ممارسات غير منضبطة.
المطالب المطروحة في هذا الإطار لا تتجاوز، بحسب أصحابها، حدود المنطق والتوازن، حيث يدعو البعض إلى إقرار إعفاء لهاتف محمول واحد سنويًا لكل مصري يحمل إقامة قانونية خارج البلاد، وفق ضوابط واضحة تضمن الاستخدام الشخصي فقط. وهي دعوة لا تحمل طابع الرفض بقدر ما تعكس رغبة في الحوار والتفاهم.
ويمتد النقاش كذلك إلى ملف السيارات الخاصة بالمغتربين، حيث يأمل البعض في دراسة بدائل مرنة للآليات السابقة، بما يسمح بالحصول على سيارة وفق مدد زمنية محددة، وبشروط لا تمثل عبئًا على الدولة، بل قد تسهم في تنظيم هذا الملف بصورة أكثر استقرارًا.
المسألة في جوهرها لا تتعلق بقرار بعينه، بقدر ما تتصل بشعور عام لدى بعض المصريين بالخارج بأن صوتهم لا يصل بالقدر الكافي، أو أن قضاياهم لا تحظى بالنقاش الكافي في المجال العام. وهو شعور إنساني قبل أن يكون سياسيًا أو اقتصاديًا، ويستحق التوقف عنده بهدوء ومسؤولية.
وفي هذا السياق، تتجه الأنظار إلى القيادة السياسية، وعلى رأسها الرئيس عبد الفتاح السيسي، باعتباره الضامن للتوازن بين متطلبات الدولة واحتياجات المواطنين، داخل الوطن وخارجه. فالمصريون بالخارج لا يطلبون امتيازًا، بقدر ما يسعون إلى تأكيد شراكتهم في الوطن، وشعورهم بأنهم جزء مسموع من حاضره ومستقبله.
إن فتح باب الحوار، وإعادة تقييم بعض السياسات التنفيذية عند الحاجة، يظل أحد أهم أدوات تعزيز الثقة، وترسيخ الانتماء، والحفاظ على العلاقة المتينة بين الدولة وأبنائها في الخارج، وهي علاقة لا تقوم فقط على الأرقام، بل على الشعور بالإنصاف والاحتواء.
