من يحمي مليارات المصريين في سوق العقارات؟
بقلم: د. بيتر ناجي
عضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي والتشريع وزميل جمعية الضرائب المصرية
يمثل سوق العقارات في مصر واحدا من اخطر واهم قطاعات الاقتصاد الوطني. فهو لا يقتصر على كونه نشاطا استثماريا تقليديا، بل يعد الوعاء الادخاري الأول للمواطن المصري، ومحركا رئيسيا لعشرات الصناعات والقطاعات المرتبطة به، من مواد البناء الى التشغيل والتمويل والخدمات الهندسية. وبرغم هذا الدور المحوري، لا يزال السوق يعمل حتى اليوم في ظل فراغ تنظيمي وتشريعي واضح، لا يتناسب مع حجم الأموال المتداولة ولا مع المخاطر المترتبة عليه.
تساهم الأنشطة العقارية بما يقارب خمس الناتج المحلي الاجمالي، وتوفر ملايين فرص العمل المباشرة وغير المباشرة، ومع ذلك لا توجد جهة واحدة مسؤولة عن التنظيم الشامل للسوق، ولا إطار تشريعي متكامل يحدد المسئوليات ويراقب الاداء ويحمي اطراف العملية العقارية. هذا الغياب ترك السوق عرضة للاجتهادات متباينة، وخلق بيئة تسمح بانتشار ممارسات تضر بالمواطن والمستثمر على حد سواء.
على ارض الواقع، تتكرر شكاوى المواطنين من تأخير التسليم، وتغيير شروط التعاقد بعد البيع، وفرض مبالغ اضافية قبل الاستلام، وتعثر مشروعات دون تدخل مؤسسي حاسم. والأخطر من ذلك ان مشتري الوحدة العقارية، الذي قد يدفع مدخرات عمره في وحدة سكنية، لا يتمتع باي منظومة حماية حقيقية لأمواله، في غياب حسابات ضمان او جهة تلزم المطورين بجداول زمنية واضحة وتراقب الالتزام بها.
هذا الوضع لم يؤثر فقط على الافراد، بل انعكس سلبا على صورة السوق العقاري المصري في الخارج. فالمستثمر الأجنبي لا ينفر من السوق بسبب ضعف العائد، بل بسبب غياب الوضوح وارتفاع المخاطر وعدم القدرة على التنبؤ بالقواعد الحاكمة. وفي عالم الاستثمار، تعد هذه العوامل كافية لتحويل التدفقات المالية الى اسواق اكثر استقرارا وتنظيما.
في الاسواق المنظمة، تلعب الهيئات التنظيمية دورا محوريا في حماية السوق واستقراره. فهي تراجع الملاءة المالية للمطورين، وتفرض نظم الافصاح، وتشرف على حسابات الضمان، وتتدخل مبكرا عند ظهور مؤشرات التعثر، قبل ان تتحول الازمة الى انهيار. اما في مصر، فتدار المخاطر بعد وقوعها، وتترك النزاعات لتسويات قضائية طويلة ومكلفة، تتحمل الدولة في نهايتها جزءا كبيرا من تبعات فوضى لم تكن طرفا فيها.
ان الدعوة الى تنظيم سوق العقارات لا تعني ابدا محاربة الاستثمار او التضييق على المطورين. على العكس، فالتنظيم يحمي المطور الجاد، ويخرج غير القادر من السوق، ويعيد التوازن، ويرسخ الثقة، ويخلق بيئة جاذبة للاستثمار طويل الاجل. كما انه يحمي المواطن، ويحفظ استقرار قطاع يمثل ركنا اساسيا من اركان الاقتصاد الوطني.
التعديل التشريعي المطلوب اليوم لم يعد رفاهية قانونية او مطلبا فئويا، بل ضرورة اقتصادية وواجبا وطنيا. فاذا كانت الدولة قد اولت قطاعات اخرى اطر تنظيمية محكمة رغم محدودية اثرها النسبي، فمن غير المنطقي ان يظل قطاع بحجم واهمية سوق العقارات بلا حارس تشريعي واضح.
السؤال لم يعد هل نحتاج الى تنظيم سوق العقارات، بل الى متى تبقى مليارات المصريين بلا حماية مؤسسية حقيقية، والى متى يستمر هذا الفراغ التشريعي في تهديد استقرار واحد من اهم قطاعات الاقتصاد المصري.
