مصر تصنع موقعها بين الكبار
بقلم: أماني صقر
تواصل الدولة المصرية خطواتها المتسارعة نحو ترسيخ قاعدة صناعية متطورة، مع الإعلان عن بدء تنفيذ أول مصنع من نوعه في الشرق الأوسط وقارة أفريقيا لإنتاج سيانيد الصوديوم، وذلك داخل مجمع سيدي كرير للبتروكيماويات بمحافظة الإسكندرية. المشروع الجديد يمثل علامة فارقة في مسار الصناعة الوطنية، ويعكس انتقال مصر من موقع المستورد للمواد الاستراتيجية إلى مركز إقليمي للإنتاج والتصدير.
المصنع، الذي تنفذه شركة دراسكيم المصرية بالتعاون التكنولوجي مع شركة دراسلوفكا التشيكية، يستهدف إنتاج سيانيد الصوديوم المستخدم بشكل رئيسي في عمليات استخلاص الذهب، وهو ما يمنح قطاع التعدين المصري دفعة قوية، خاصة مع الاعتماد السابق على الاستيراد لتوفير هذه المادة الحيوية. ومع تشغيل المصنع، تصبح هذه الصناعة لأول مرة محلية بالكامل، بما يضمن استقرار الإمدادات وتقليل التكاليف وتعظيم الاستفادة من الثروات التعدينية.
ولا تتوقف أهمية المشروع عند دعم صناعة الذهب فقط، بل تمتد إلى آفاق مستقبلية أوسع، حيث يفتح المجال أمام دخول مصر بقوة في صناعة بطاريات أيونات الصوديوم، التي تُعد من البدائل الواعدة لبطاريات الليثيوم في قطاع الطاقة المتجددة. هذا التوجه يضع الصناعة المصرية في قلب التحولات العالمية المتعلقة بتخزين الطاقة النظيفة، ويعزز من قدرتها على مواكبة التطور التكنولوجي في هذا المجال الحيوي.
اقتصاديًا، يحمل المشروع أبعادًا استراتيجية واضحة، إذ يسهم في توطين التكنولوجيا المتقدمة داخل السوق المحلي، من خلال نقل الخبرات الفنية والتقنيات الحديثة إلى الكوادر المصرية، بما يرفع من كفاءة الصناعة الوطنية. كما يساهم في توفير العملة الصعبة عبر تقليص فاتورة الاستيراد، ويفتح الباب أمام التصدير للأسواق الأفريقية والعربية، مستفيدًا من الموقع الجغرافي المتميز لمصر والبنية التحتية الصناعية المتنامية.
ويمثل المصنع خطوة مهمة في تعظيم القيمة المضافة للمواد البتروكيماوية، عبر تحويلها من مواد خام إلى منتجات صناعية نهائية ذات قيمة اقتصادية مرتفعة، وهو ما يعزز من تنافسية الصناعة المصرية ويزيد من قدرتها على جذب الاستثمارات النوعية. كما يوفر المشروع فرص عمل مباشرة وغير مباشرة، ويدعم سلاسل الإمداد المرتبطة بقطاعي التعدين والطاقة.
ويأتي هذا الإنجاز في إطار رؤية أوسع تستهدف بناء اقتصاد إنتاجي قائم على الصناعة المتقدمة والتكنولوجيا الحديثة، وليس مجرد التوسع في الكم، بل في نوعية المشروعات وتأثيرها طويل المدى. فالمصانع الجديدة لم تعد مجرد منشآت إنتاج، بل أدوات استراتيجية لإعادة تموضع الدولة اقتصاديًا إقليميًا ودوليًا.
بهذا المشروع، تؤكد مصر أنها لا تكتفي بتشييد مصانع جديدة، بل تمضي بثبات نحو بناء مستقبل صناعي قادر على المنافسة، واستعادة دورها الريادي في المنطقة، اعتمادًا على التخطيط، والشراكات الذكية، والاستثمار في التكنولوجيا والمعرفة.
