بين نفحات الأمس وضجيج الحاضر… أين تغيّرنا؟
بقلم: رانيا خليفة
لم يكن رمضان يومًا مجرد شهرٍ في التقويم، بل كان حالةً كاملة من الدفء الإنساني والروحاني، تعيشها البيوت قبل الشوارع، وتنبض بها القلوب قبل الزينة.
رمضان الماضي… حين كان للبساطة طعم السعادة
في رمضان الماضي — أو لنقل في رمضان الذي عشنا تفاصيله قديمًا — كانت الاستعدادات تبدأ بروح مختلفة.
الأمهات يتشاركن وصفات الإفطار، والأطفال ينتظرون الفانوس بلهفة، والبيوت تفوح منها رائحة القطايف والكنافة قبل أذان المغرب بساعات.
لم تكن المائدة عامرة فقط بالطعام، بل بالمحبة.
كنا نجلس متقاربين… لا تفرقنا هواتف، ولا تعزلنا شاشات.
الزيارات العائلية كانت فرضًا اجتماعيًا جميلاً، وصلة الرحم عادة لا تنقطع.
حتى صوت المسحراتي… كان يحمل طمأنينة لا تُشترى.
رمضان الحاضر… تغيّرت الملامح
أما رمضان اليوم… فقد تبدلت بعض ملامحه.
الزينة ما زالت تملأ الشوارع، لكن الدفء قلّ في بعض البيوت.
الموائد صارت أكثر ترفًا… لكن الوقت على المائدة أقل.
الهاتف أصبح ضيفًا دائمًا على الإفطار.
والسوشيال ميديا سرقت لحظات كان من المفترض أن تُعاش، لا أن تُصوَّر.
الزيارات قلت، والرسائل حلّت محل اللقاءات.
وأصبح السؤال: “هنفطر فين؟” بدلًا من “هنفطر مع مين؟”.
بين الأمس واليوم… ما الذي تغيّر حقًا؟
لم يتغير رمضان…
بل نحن من تغيّرنا.
الشهر ما زال يحمل نفس النفحات، ونفس أبواب الرحمة، ونفس فرصة البدايات الجديدة.
لكن إيقاع الحياة السريع، وضغوط المعيشة، وهيمنة التكنولوجيا… جعلتنا نمرّ عليه مرورًا أسرع.
الحنين… رسالة لا اتهام
الحنين لرمضان الماضي ليس رفضًا للحاضر،
بل تذكير بأن الجمال كان — وما زال — في التفاصيل البسيطة:
لُقمة تُقسم بمحبة
دعوة صادقة قبل الأذان
ضحكة عائلية بعد التراويح
يد تُرفع بالدعاء في هدوء الليل
رمضان لا يزال بخير… إن أردناه كذلك
يمكننا أن نُعيد الدفء:
بزيارة،
بلمة،
بإغلاق هاتف ساعة الإفطار،
بإحياء عادة قديمة… ظننا أنها اندثرت.
فـ رمضان لا يتغير…
لكننا نستطيع أن نُعيد إليه روحه داخلنا
