رمضان 2026 على صفيح ساخن: هل تحاصر الجغرافيا المنطقة؟ وكيف تواجه مصر عاصفة التصعيد؟
بقلم: حاتم السعداوي
في اللحظات التي كانت فيها الأمة الإسلامية تستقبل نفحات شهر رمضان لعام 2026، دوّت في سماء الشرق الأوسط أصوات انفجارات أعادت إلى الأذهان مشاهد صراعات كبرى ظن كثيرون أنها أصبحت من الماضي. ففي الحادي عشر من رمضان 1447هـ الموافق 28 فبراير 2026، اندلعت مواجهة مباشرة بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة، لتدخل المنطقة مرحلة جديدة من التصعيد المفتوح تجاوز حدود الاشتباكات غير المباشرة وقواعد الردع التقليدية، وفتح الباب أمام واقع إقليمي أكثر تعقيدًا وخطورة.
المشهد الراهن لا يمكن قراءته باعتباره مواجهة عسكرية عابرة، بل يبدو أقرب إلى كمين استراتيجي فرضته الجغرافيا السياسية على الإقليم، خصوصًا منطقة الخليج العربي التي وجدت نفسها في قلب العاصفة. فمع انطلاق عمليات عسكرية إسرائيلية وأمريكية استهدفت منشآت إيرانية، سارعت طهران إلى الرد عبر توسيع نطاق الاستهداف ليشمل قواعد عسكرية ومواقع حيوية في محيطها الإقليمي. ومع تصاعد التوتر وتهديد الملاحة في مضيق هرمز، برز شبح اضطراب أسواق الطاقة العالمية، لتتحول الجغرافيا من مصدر قوة اقتصادية إلى عبء أمني يهدد الاستقرار والتنمية.
هذا التصعيد يضع المنطقة أمام مسارات شديدة الحساسية. أحدها يتمثل في استنزاف طويل الأمد عبر حرب صواريخ ومسيرات متبادلة، بما يحمله ذلك من تداعيات اقتصادية قاسية وانعكاسات اجتماعية داخل دول المواجهة. أما السيناريو الأخطر فيكمن في احتمالات انهيارات داخلية أو تغييرات جذرية في موازين القوى، قد تفضي إلى فراغ أمني واسع النطاق تستغله جماعات متطرفة، وهو ما يعيد إنتاج دوامات عدم الاستقرار بصورة أكثر تعقيدًا.
وسط هذا المشهد المضطرب، يبرز الدور المصري باعتباره عنصر توازن رئيسي في معادلة إقليمية شديدة الاضطراب. فقد تبنت القاهرة نهجًا يقوم على ضبط النفس والحفاظ على ثوابت الأمن القومي، مع تأكيدها أن الانخراط في صراعات مفتوحة خارج حدودها لا يخدم مصالحها الاستراتيجية. وترتكز المقاربة المصرية على الجمع بين الجاهزية الدفاعية الكاملة وتأمين الحدود والاتجاهات الاستراتيجية، وبين تحرك دبلوماسي نشط يستهدف خفض التصعيد ومنع اتساع رقعة المواجهة.
العبور الحقيقي بالنسبة لمصر في عام 2026 لا يرتبط بتحركات عسكرية، بل يتمثل في الحفاظ على مسار التنمية وتعزيز الاستقرار الداخلي في بيئة إقليمية مشتعلة. فبينما تتعرض عواصم عديدة لضغوط غير مسبوقة، تواصل الدولة المصرية تنفيذ مشروعاتها القومية وتدعيم بنيتها الاقتصادية والأمنية، في محاولة لترسيخ موقعها كركيزة استقرار ووسيط قادر على التواصل مع مختلف الأطراف.
في نهاية المطاف، يفرض المشهد الإقليمي اختبارًا صعبًا على شعوب المنطقة ودولها. وبين أجواء العبادة في رمضان وصخب المواجهات العسكرية، تبرز أهمية الوعي الجمعي والالتفاف حول خيارات تحمي الدولة الوطنية من الانزلاق إلى فوضى ممتدة. فالتعقل في لحظة اشتعال ليس تراجعًا، بل استراتيجية بقاء تضمن حماية مقدرات الشعوب وصون مستقبل الأجيال في منطقة لا تحتمل حربًا مفتوحة جديدة.
