recent
عـــــــاجــــل

سلاح الفيس بوك

 

سلاح الفيس بوك

سلاح الفيس بوك


بقلم: حسين الحانوتي

هل أصبح الفيس بوك جزءًا من حياتنا اليومية، أم تحوّل إلى جهة غير رسمية تُقدَّم عبرها الشكاوى وتُطرح من خلالها القضايا، وأصبح له اعتبار لدى بعض الجهات التنفيذية داخل الدولة؟

في الحقيقة، لم يعد الفيس بوك مجرد وسيلة ترفيه أو منصة لتبادل الصور والتعليقات كما كان في بداياته، بل تطور تدريجيًا ليصبح مساحة عامة مفتوحة، تُعرض فيها القضايا وتُطرح الأسئلة، وينتظر الناس من خلالها ردودًا وحلولًا. ومع الوقت صار بمثابة منبر شعبي واسع الانتشار، ينقل صوت المواطنين بسرعة كبيرة، ويكشف المشكلات فور وقوعها، سواء عبر الكتابة أو الصور أو مقاطع الفيديو، بما يجعله أداة توثيق ووسيلة ضغط في الوقت نفسه.

ومع هذا الاتساع في الاستخدام، أصبح للفيس بوك تأثير واضح على الرأي العام، بل وأحيانًا على سرعة تحرك بعض المسؤولين. كما أن العديد من الجهات الحكومية نفسها باتت تمتلك صفحات رسمية على المنصة، وتتلقى عبرها شكاوى المواطنين وبلاغاتهم، وتتعامل معها في بعض الحالات، وهو ما يعكس واقعًا جديدًا لا يمكن إنكاره أو تجاهله، حيث أصبح الفيس بوك جزءًا من المشهد الإداري والاجتماعي المعاصر.

ومن هنا يبرز سؤال مهم: هل يجوز استخدام الفيس بوك لتقديم شكاوى للجهات التنفيذية إذا توفرت الأدلة؟

الإجابة: نعم، يجوز ذلك بشرط أن يكون الهدف واضحًا، والقصد سليمًا، والدليل قائمًا ومثبتًا. فعرض الوقائع المدعومة بالمستندات أو الصور أو التسجيلات لا يُعد تشهيرًا، بل يدخل في إطار كشف الحقيقة وإنصاف المظلوم. والفرق كبير بين الشكوى المبنية على دليل، وبين الاتهام العشوائي أو الإساءة غير المبررة.

لكن في المقابل، يجب التأكيد على ضرورة الاستخدام المسؤول لهذه المنصات، بحيث لا تُنشر إلا الوقائع الثابتة، ولا تُوجه اتهامات دون سند، مع تجنب أي ألفاظ تحريضية أو مسيئة، لأن الهدف من الشكوى ليس التشهير بالأشخاص أو المؤسسات، وإنما الوصول إلى حل حقيقي أو دفع الجهات المختصة للتحرك.

كما أن الفيس بوك لا يمكن أن يكون بديلًا عن القنوات القانونية والرسمية، وإنما هو وسيلة مساعدة ومساندة. فالشكوى الأصلية يجب أن تُقدَّم للجهات المختصة عبر الطرق القانونية المعتمدة، بينما يمكن استخدام الفيس بوك كأداة لتسليط الضوء وتسريع الاستجابة وتوثيق الحالة، خاصة في حالات التأخير أو الروتين الإداري.

ومن منظور أخلاقي وديني، فإن عرض المظالم عند الحاجة وبوجود دليل وبنية الإصلاح لا يدخل في باب الغيبة أو النميمة، وإنما يُعد وسيلة لرفع الظلم ودفع الضرر، وهو أمر أجازه العلماء إذا كان الهدف منه تحقيق العدالة لا النيل من الأشخاص.

وفي المحصلة، أصبح الفيس بوك واقعًا مؤثرًا في حياتنا العامة، وأداة لها وزنها في متابعة القضايا وتحريكها. واستخدامه في الشكاوى يظل مشروعًا إذا التزم بالموضوعية والاحترام والدليل، لأن الصمت عن الخطأ ليس دائمًا حكمة، بينما قد يكون الصوت المسؤول طريقًا لإيقاف الضرر وتحقيق الإصلاح.


google-playkhamsatmostaqltradent