كرامة الأستاذ الجامعي... مسؤولية مشتركة
بقلم: الأستاذ الدكتور عيد عبد الواحد علي درويش
خبير بمنظمة اليونسكو
رئيس الهيئة العامة لمحو الأمية وتعليم الكبار الأسبق
عميد كليتي التربية والتربية للطفولة المبكرة السابق بجامعة المنيا
أثارت خلال الأيام الماضية صور ومقاطع متداولة على مواقع التواصل الاجتماعي لأستاذ جامعي يفترش الأرض لبيع بعض السلع بدعوى أن راتبه لم يعد يكفي متطلبات الحياة، حالة من الجدل بين متعاطف مع الظروف الاقتصادية، ومستنكر لما اعتبره مساسًا بمكانة الأستاذ الجامعي وهيبته.
ومن البداية، ينبغي أن نؤكد حقيقة لا خلاف عليها، وهي أن تحسين أوضاع أعضاء هيئة التدريس المادية حق مشروع، بل ضرورة وطنية. فالأستاذ الجامعي هو صانع العقول، ومهندس المستقبل، وحامل رسالة العلم، ولا يليق أن يعيش تحت وطأة الضغوط الاقتصادية التي تشغله عن أداء رسالته العلمية والبحثية.
لكن، وفي الوقت نفسه، فإن الدفاع عن هذا الحق لا ينبغي أن يكون عبر وسائل أو ممارسات قد تُفهم على أنها انتقاص من كرامة الأستاذ الجامعي أو من هيبة المؤسسة الأكاديمية. فالقضية ليست قضية فرد، وإنما قضية رمز يمثل الجامعة المصرية بكل تاريخها وقيمها.
لقد ظل الأستاذ الجامعي، عبر عقود طويلة، رمزًا للعلم والوقار والاحترام، وكانت الجامعات المصرية منارات للفكر والثقافة في الوطن العربي، ومن ثم فإن أي تصرف فردي يخرج إلى المجال العام لا يُنظر إليه باعتباره سلوكًا شخصيًا فحسب، بل قد ينعكس – بحق أو بغير حق – على صورة الأستاذ الجامعي أمام المجتمع وأمام طلابه.
ولا يعني هذا التقليل من معاناة أحد، أو تجاهل الظروف الاقتصادية التي يعيشها كثير من أعضاء هيئة التدريس، فهذه حقيقة يدركها الجميع، غير أن مواجهة هذه التحديات ينبغي أن تتم من خلال القنوات المؤسسية، والحوار المسؤول، والمطالبة الجادة والمدعومة بالأدلة والدراسات، بما يحفظ الحقوق ويحافظ في الوقت ذاته على المكانة الرفيعة للأستاذ الجامعي.
إن التاريخ يخبرنا أن كبار العلماء مروا بظروف معيشية قاسية، لكنهم حافظوا على وقارهم، وجعلوا من علمهم مصدرًا لتحسين أوضاعهم، واليوم أصبحت أمام الأستاذ الجامعي مجالات واسعة لزيادة دخله بصورة تحفظ مكانته، من خلال البحث العلمي، والاستشارات، والتدريب، والتعليم المستمر، والتحكيم العلمي، وريادة الأعمال، والمشروعات البحثية، وغيرها من الأنشطة المشروعة التي تتفق مع رسالته الأكاديمية.
كما أن الدولة، وهي تتطلع إلى بناء "الجمهورية الجديدة" القائمة على المعرفة والابتكار، مطالبة بإعادة النظر بصورة دورية في أوضاع أعضاء هيئة التدريس، بما يضمن لهم حياة كريمة تتناسب مع مكانتهم ودورهم في إعداد الكفاءات الوطنية، ويجعل الجامعة بيئة جاذبة للكفاءات بدلًا من أن تكون بيئة طاردة لها.
إن كرامة الأستاذ الجامعي ليست ملكًا له وحده، بل هي جزء من كرامة الجامعة المصرية، وهيبة الدولة، واحترام المجتمع للعلم. وكلما ارتفعت مكانة الأستاذ، ارتفعت مكانة التعليم، وكلما ازداد احترام المجتمع للعلماء، ازداد تقدم الأمم.
إننا على يقين بأن الدولة المصرية لا تدخر جهدًا في تحسين أوضاع أبنائها وفقًا لتوافر الإمكانات الاقتصادية والمالية، فما شهدته السنوات الماضية من مراجعات متتالية للأجور والمعاشات في قطاعات الدولة المختلفة يؤكد أن القيادة السياسية حريصة على الارتقاء بالمستوى المعيشي للمواطنين وفق ما تسمح به موارد الدولة وظروفها الاقتصادية. ومن ثم، فإن تحسين أوضاع أعضاء هيئة التدريس يظل هدفًا مشروعًا نتطلع إليه جميعًا، وندرك أنه يرتبط أيضًا بالإمكانات المتاحة وأولويات الإنفاق العام.
كما أن القضايا المتعلقة بأوضاع أعضاء هيئة التدريس ينبغي أن تناقش خلال المؤسسات والقنوات الرسمية التي أنشأها القانون، مثل الجامعات، والمجالس المختصة، والجهات المعنية، والنقابات والنوادي المهنية، بما يحقق حوارًا مسؤولًا ومثمرًا. أما تحويل هذه القضايا إلى مادة للتداول عبر منصات التواصل الاجتماعي، خصوصًا في صور أو مشاهد قد تُفهم على أنها تمس مكانة الأستاذ الجامعي، فإنه لا يخدم القضية، بل قد يسيء إلى صورة الجامعة المصرية ورمزية الأستاذ الجامعي في أعين المجتمع وطلابه.
ومن هنا فإننا نرفض أي سلوك، أيا كانت دوافعه، يمكن أن يُفهم على أنه انتقاص من هيبة عضو هيئة التدريس أو استغلال لمكانته العلمية في مشهد يثير الشفقة أو الجدل الإعلامي. وفي المقابل، فإننا نؤيد بكل قوة كل جهد صادق يهدف إلى تحسين أوضاع أعضاء هيئة التدريس، وتوفير حياة كريمة تليق بمن يحملون رسالة العلم ويبنون الإنسان.
إن الدفاع عن حقوق الأستاذ الجامعي واجب، كما أن الحفاظ على هيبته وكرامته واجب لا يقل أهمية. فلا تعارض بين المطالبة بتحسين الأوضاع المعيشية وبين صون المكانة الرفيعة التي يمثلها عضو هيئة التدريس. وتثق الدولة، كما تتسع إمكاناتها، ستواصل تحسين أوضاع أبنائها، وفي مقدمتهم أساتذة الجامعات، تقديرًا لدورهم في بناء الإنسان وصناعة المستقبل. أما نحن، فعلينا أن نجعل من الحوار المؤسسي، والطرح الرصين، والالتزام بأخلاقيات المهنة، السبيل الأمثل للمطالبة بالحقوق، بما يحفظ كرامة الأستاذ الجامعي، ويعزز مكانة الجامعة المصرية، ويصون احترام المجتمع للعلم وأهله.
حفظ الله مصر قيادةً وشعبًا، وحفظ علمائها وطلابها، وجعلها دائمًا منارةً للعلم والمعرفة والتقدم.
.png)