المستشار طلعت الفاوي: الغربة ثمن تدفعه من العمر ولا تعوضه الأموال
الغربة ليست مجرد انتقال من مكان إلى آخر، وليست فقط مسافة تفصل الإنسان عن أهله وأصدقائه ووطنه، لكنها ضريبة تُدفع من العمر والروح والمشاعر. ضريبة لا يراها الناس في كثير من الأحيان، لأن الجزء الأكبر منها يُدفع في صمت، بعيدًا عن العيون، وفي لحظات لا يعرف أحد حجم الألم الذي تختبئ خلفها.
أول أثمان الغربة هو ضياع اللحظات التي لا يمكن استعادتها. أن تمر المناسبات وأنت بعيد، أن يأتي العيد ولا تكون بين أهلك، وأن يتزوج قريب أو يرحل عزيز دون أن تتمكن من وداعه، وأن تسمع خبر مرض أحد أفراد أسرتك وأنت عاجز عن أن تكون بجواره. قد يرسل المغترب المال والهدايا، لكنه لا يستطيع أن يرسل حضوره، ولا أن يعوض حضنًا غاب، أو جلسة عائلية لم يحضرها، أو لحظة كان ينبغي أن يعيشها بين أحبائه.
والأصعب من ذلك كله هو الوحدة النفسية. قد يعيش الإنسان وسط عشرات الأشخاص، ويتحدث معهم كل يوم، لكنه يظل يشعر بأنه غريب. يفتقد البيت الذي يعرف تفاصيله، والوجوه التي لا يحتاج أمامها إلى شرح نفسه، والأمان الذي كان يجده في وجود أسرته إلى جواره. هناك أشياء لا يستطيع المال شراءها، وفي مقدمتها دفء البيت وطمأنينة الوطن والشعور بأن لك مكانًا حقيقيًا بين من يحبونك.
ثم يأتي الثمن الأكبر، وهو العمر. سنوات طويلة يقضيها الإنسان في العمل والسعي وتأمين المستقبل، فتتساقط من عمره أيام وشهور وسنوات لن تعود. يبيع جزءًا من شبابه مقابل المال، ويؤجل حياته إلى وقت يظن أنه سيأتي، ثم يكتشف أحيانًا أن المستقبل الذي كان يعمل من أجله قد وصل، لكنه وصل وهو أكثر تعبًا وأقل قدرة على الاستمتاع بما جمعه.
لكن أخطر ما في الغربة ليس تأثيرها على المغترب وحده، وإنما ما قد تتركه من مسافة عاطفية بينه وبين أسرته، وخاصة أبنائه.
فالأب الذي يغيب سنوات طويلة عن بيته قد يحاول تعويض غيابه بالمال، فيصبح وجوده في حياة أبنائه مرتبطًا بما يرسله إليهم. ومع مرور الوقت قد يتحول، دون أن يشعر، من أب حاضر في تفاصيل حياتهم إلى مجرد مصدر للإنفاق. وفي هذه الحالة تصبح العلاقة قائمة على الاحتياجات أكثر من المشاعر، وعلى ما يستطيع أن يقدمه من أموال أكثر مما يستطيع أن يمنحه من حضور واهتمام.
وهنا تكمن المأساة الحقيقية.
فالطفل لا يحتاج إلى المال وحده، بل يحتاج إلى أب يسمعه، يراه وهو يكبر، يعرف أصدقاءه، يشاركه نجاحه وفشله، يطمئنه عندما يخاف، ويصحح له عندما يخطئ. يحتاج إلى ذكريات مشتركة تتراكم عامًا بعد عام. وحين يغيب الأب طويلًا، قد يجد نفسه بعد سنوات أمام أبناء يعرف أسماءهم وأعمارهم، لكنه لا يعرف تفاصيلهم الحقيقية، بينما هم أيضًا لا يعرفونه إلا من خلال الصور والمكالمات والتحويلات المالية.
ولهذا قد تكون العودة بعد سنوات طويلة صادمة للطرفين. يعود الأب إلى بيته وهو يتوقع أن يجد أبناءه في انتظاره كما تركهم، لكنه يكتشف أنهم كبروا بعيدًا عنه، وأن لكل واحد منهم عالمه الخاص الذي لم يكن جزءًا منه. وقد يشعر بعض الأبناء بوجود شخص غريب دخل فجأة إلى البيت، لأنهم ببساطة لم يعيشوا معه ما يكفي من الأيام ليشعروا بأنه جزء طبيعي من تفاصيل حياتهم.
عندها تصبح النصيحة ثقيلة، والتوجيه غير مقبول، والأب الذي غاب طويلًا قد يفقد شيئًا من سلطته العاطفية، ليس لأن أبناءه لا يحبونه بالضرورة، ولكن لأن العلاقة الإنسانية لا تُبنى بالمال وحده، وإنما بالحضور والوقت والمشاركة.
والأمر لا يتوقف عند الأبناء، فقد تمتد آثار الغربة إلى العلاقة الزوجية أيضًا. سنوات البعد قد تخلق مسافات يصعب ردمها، وقد تجعل كل طرف يعيش حياة مختلفة عن الآخر. وفي بعض الحالات تتحول التضحية التي قدمها أحد الزوجين من أجل الأسرة إلى شعور بالمرارة، خاصة عندما يكتشف بعد سنوات أنه خسر الكثير من عمره في سبيل بناء حياة لم يعد يشعر بأنه جزء منها.
والأشد ألمًا أن يقابل بعض المغتربين كل ما قدموه بالجحود والنكران، وقد يصل الأمر في حالات مؤلمة إلى الخيانة. نسمع عن رجل ترك زوجته وأبناءه وسافر، وتحمل الغربة والعمل الشاق سنوات طويلة، وجمع المال وأرسله إلى أسرته، حتى ظن أن اليوم الذي يعود فيه ليستقر بينهم سيكون أجمل أيام حياته. ثم يعود ليكتشف أن المال الذي جمعه لم يصنع له بيتًا بالمعنى الحقيقي، وأن سنوات الغياب صنعت مسافات بينه وبين أقرب الناس إليه.
قد يعود بما جمعه من مال، لكنه لا يستطيع أن يسترد السنوات التي ضاعت، ولا الشباب الذي مر، ولا المناسبات التي غاب عنها، ولا الذكريات التي لم يصنعها مع أبنائه.
وهنا يجب أن نتوقف قليلًا قبل أن نحكم على كل مغترب أو ننكر حجم ما قدمه. فالغربة في كثير من الأحيان لم تكن رفاهية، وإنما كانت ضرورة فرضتها ظروف الحياة، وارتفاع تكاليف المعيشة، والرغبة في توفير مستقبل أفضل للأبناء. وهناك آباء تحملوا قسوة الغربة لأنهم لم يجدوا طريقًا آخر، وعادوا بعد سنوات وهم يحملون في أيديهم ما استطاعوا جمعه، وفي قلوبهم حكايات لا يعرفها إلا الله.
لكن الضرورة لا تعني أن تتحول الغربة إلى إقامة دائمة بلا حساب.
إذا كان السفر لابد منه، فيجب أن يكون للغربة حدود، وأن تكون هناك محاولات حقيقية للحفاظ على الأسرة والعلاقة بالأبناء. المكالمات وحدها لا تكفي، وتحويل الأموال لا يعوض الحضور، والهدايا لا تصنع الذكريات. الأسرة تحتاج إلى الإنسان نفسه، إلى صوته وضحكته ومشاركته ومساندته ووجوده في تفاصيلها الصغيرة قبل الكبيرة.
لذلك ينبغي لكل من يفكر في الغربة أن يسأل نفسه بصدق: ماذا سأربح، وماذا سأخسر؟ وهل المال الذي أسعى إليه يستحق السنوات التي سأدفعها من عمري؟ وهل أستطيع أن أجد وسيلة تجعل الغربة مؤقتة لا قدرًا دائمًا؟ وهل أستطيع أن أحافظ على علاقتي بأبنائي وزوجتي وأهلي رغم المسافة؟
ليس المقصود أن نقول للناس لا تسافروا، فالحياة أحيانًا تجبر الإنسان على البحث عن رزقه بعيدًا عن وطنه. لكن المقصود أن ندرك أن الغربة ليست مشروعًا ماليًا فقط، وأن حساب أرباحها وخسائرها لا يجب أن يكون بالأرقام وحدها.
فالإنسان قد يجمع مالًا كثيرًا، ثم يكتشف أنه دفع مقابله من عمره أكثر مما ينبغي.
وقد يبني بيتًا جميلًا، لكنه لا يجد فيه أبناء يشعرون بأنه جزء من حياتهم.
وقد يؤمن مستقبل أسرته ماديًا، لكنه يفقد معها أجمل ما كان يمكن أن يمنحه لها: نفسه ووقته وذكرياته.
الغربة قد تكون بابًا للرزق، لكنها إذا طالت بلا ضرورة قد تتحول إلى فاتورة قاسية يدفعها الإنسان من عمره وعلاقاته ومشاعره. ولذلك، إذا كان السفر ضرورة، فليكن بقدر الضرورة، وإذا كان لابد من الغياب، فلا ينبغي أن يكون الغياب عن حياة الأبناء.
فالمال يمكن تعويضه، والعمل يمكن تغييره، والفرص يمكن أن تتكرر، لكن العمر لا يعود، والطفولة لا تنتظر، والذكريات التي لم نصنعها مع من نحب لن تمنحنا الحياة فرصة أخرى لصناعتها.
**الغربة قد تمنحك المال، لكنها لا تضمن لك أن تجد عند عودتك الحياة التي تركتها خلفك.**
