recent
عـــــــاجــــل

الدكتور الشربيني يكتب: محراب العلم أمن قومي وكرامة العلماء واجب وطني في الجمهورية الجديدة

 

الدكتور الشربيني يكتب: محراب العلم أمن قومي وكرامة العلماء واجب وطني في الجمهورية الجديدة

الدكتور الشربيني يكتب: محراب العلم أمن قومي وكرامة العلماء واجب وطني في الجمهورية الجديدة


جامعة دمياط - المسئول عن اخبار الجامعات المصرية 


في منعطف تاريخي دقيق يتطلب تضافر كافة قوى الأمة الحية، تقف الجامعات المصرية وأعضاء هيئة التدريس الأجلاء كحائط صد صلب، داعمين بكل إيمان جبهة الدولة المصرية وقيادتها الحكيمة والمتزنة متمثلة في فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي، لخوض معارك البناء وتثبيت أركان الجمهورية الجديدة؛ وانطلاقاً من هذا العهد الوطني الراسخ، تظل الجامعات الحكومية بمثابة حجر الزاوية في بناء الدولة الوطنية وصياغة وجدانها الحضاري، غير أن هذا الكيان الشامخ يواجه اليوم تصدعاً صامتاً يحتم الالتفات إليه؛ إذ تحترق عقول أساتذتها الأجلاء خلف أسوار المعامل وفي قاعات المحاضرات، ليفاجأ المجتمع الأكاديمي بوقوع تلك القامات المعرفية الكبرى تحت وطأة ضغوط مالية متزايدة وتآكل مستمر في القيمة الفعلية لدخولهم؛ إنها فجوة معقدة غدت معها صيانة كرامة العلماء وتوفير الحياة الكريمة التي تتناسب مع مكانتهم الرفيعة انها قضية أمن قومي عاجلة لا تحتمل التأجيل أو الإرجاء.


يعيش الأستاذ الجامعي المصري في مفارقة صارخة تمثل نموذجاً حياً للهرم الاجتماعي المقلوب؛ فبينما ينظر إليه المجتمع تقليدياً باعتباره صفوة النخبة، ورمز الحكمة، وحارس القيم والأعراف الأصيلة الذي يحظى بأعلى درجات التوقير والهيبة في صدارة المشهد التنويري لبناء الأمة، يصطدم هذا الرأسمال المعنوي الرفيع بواقع مادي مجحف؛ لقد بات الدخل الفعلي لعضو هيئة التدريس يقل بكثير عن عوائد مهن حرفية وتجارية بسيطة لا تتطلب أي مؤهلات علمية، مما يخلق شرخاً عميقاً في هيبته المجتمعية، ويجبر العالم الجليل على خوض صراع يومي مضنٍ للاحتفاظ بمظهره ووقاره، حمايةً لصورته الرمزية ومكانته الرفيعة أمام طلابه وفي محيطه الاجتماعي.


فالأستاذ الجامعى يتنفس مجتمعاً أكاديمياً محكوماً بأعراف رفيعة وتقاليد ضاربة في عمق التاريخ؛ ويقف في محرابه كحامل لرسالة تنويرية مقدسة تبني الإنسان وتصنع المستقبل، متمسكاً بالسمو الأخلاقي، والنزاهة المطلقة، والترفع الكامل عن أي كسب لا يليق بوقاره؛ وتحكم هذا المجتمعَ الأكاديمي تقاليد الإجلال الرفيع لمقامات أهل العلم وصدارة العلماء قيمةً وقامة، وتوريث الأمانة المعرفية من جيل إلى جيل بكل تجرد. ورغم العواصف المالية، يصر الأستاذ على أن يظل رمزاً للوقار والشموخ الإنساني، يصون كرامة رسالته الكبرى مهما بلغت قسوة الظروف المحيطة.


لكن هذا الشموخ يقابله استنزاف كامل لسنوات العمر؛ فعضو هيئة التدريس يقضي زهرة شبابه غارقاً في دراسات ماجستير ودكتوراه وأبحاث ترقية معقدة؛ وعلى عكس سائر الوظائف، لا يترقى الأستاذ بالأقدمية، بل بتقديم أبحاث ونشر دولي باهظ الثمن يتحمله بالكامل من جيبه الخاص ومن رواتبه الهزيلة لرفع تصنيف جامعته وتخليد اسمها في المحافل الدولية؛ وتتجلى ضخامة المسؤولية حين تكشف الأرقام الرسمية الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء أن إجمالي أعضاء هيئة التدريس ومعاونيهم 123.5 ألف عضو وهيئة معاونة في محراب الجامعات الحكومية والأزهر الشريف وحدهما؛ هؤلاء العلماء يقعون جميعاً تحت طائلة جدران سجن قانوني صارم يحظر عليهم ممارسة أي أعمال تجارية أو تولي وظائف خارجية حرصاً على التفرغ الأكاديمي؛ هذا الحظر يمنع أساتذة العلوم الأساسية والإنسانية كالفيزياء، الرياضيات، والآدابوغيرهم من أي نافذة تربح أخرى، لتنتهي رحلة فناء العمر كله بمعاش تقاعدي هزيل لا يلبي الحد الأدنى من متطلبات الحياة الكريمة.


إن الاهتمام بالوضع المالي لأعضاء هيئة التدريس ليس ترفاً أو مطلباً فئوياً، بل هو حماية مباشرة للأمن القومي؛ فاستمرار تراجع المردود المادي يدفع أثمن الكفاءات المصرية للهجرة نحو الجامعات العربية والأجنبية، مما يفرغ الوطن من علمائه ويصيب منجزاته بنزيف العقول؛ كما أن الأستاذ المستقر نفسياً ومادياً هو الجدار الحصين الذي يحمي عقول ملايين الطلاب من الأفكار المتطرفة والدخيلة، وهو الركيزة التي تعتمد عليها الدولة في تقديم الاستشارات وصناعة القرار بالمشروعات القومية؛ إن انكسار الأستاذ الجامعي مادياً هو انكسار لمنظومة القيم المجتمعية كاملة، فالتعليم هو واجهة الدولة ودرعها المعرفي.


إن صون الهيبة الأكاديمية بات يتطلب اليوم حزمة من القرارات السيادية والتنفيذية الفورية، تبدة بإقرار بدل هيبة العلماء الذي يدمج البدلات القديمة في حافز مالي مجزٍ يواكب التغيرات الاقتصادية الحالية، بالتوازي مع فك ارتباط الرواتب بأساسي عام 2015 واحتسابها على الأجر الفعلي المعاصر؛ وتأسيس شركات استثمار معرفي تابعة للجامعات، تتولى تسويق البحوث والابتكارات لصالح القطاع الصناعي مع توجيه الجزء الأكبر من عوائد الاستشارات والحقوق المعرفية مباشرة لتكريم العلماء والباحثين دون تعقيدات بيروقراطية؛ ويتكامل هذا المسار بتأسيس مظلة رعاية صحية شاملة وفندقية تليق بمقام العلماء، وتفعيل حزمة إعفاءات لوجستية تدعم استقرارهم، كحق استيراد سيارة معفاة لمرة واحدة، وتوفير وحدات سكنية مدعومة في المدن الجديدة، وإقرار اشتراكات رمزية في وسائل النقل الحديثة؛ ليبقي الأستاذ متفرغاً لرسالته السامية ومصوناً في محرابه العلمي.


إن أساتذة الجامعات المصرية يجسدون أسمى مراتب القيادة المعرفية وبناء الإنسان في مسيرة الوطن، بل هم سدنة الهوية، وحراس العقل، وحصن الجبهة الفكرية لكيان الدولة وبنيانها الحضاري؛ وحين يواجه الأستاذ الجامعي تحديات مادية متزايدة، فإن الأثر لا يتوقف عند حدود الضغط المعيشي الفردي، بل يمتد ليصيب كبرياء الأمة العلمي في مقتل، ويهدد بإفراغ محاريب العلم من قاماته الفذة؛ إن إنصاف هؤلاء العلماء وحفظ كرامتهم المادية بما يتناسب مع جلال رسالتهم لم يعد مجرد مطلب أكاديمي، بل هو استحقاق سيادي وقرار استراتيجي يمس صميم الأمن القومي لجمهوريتنا الجديدة؛ فبناء المستقبل وحماية مكتسبات التنمية لا يتحققان إلا بعقول مستقرة ونفوس مطمئنة تصنع جيل الوعي؛ لقد حان الوقت لتسترد عباءة الوقار الأكاديمي هيبتها الكاملة وشموخها المستحق، لتبقى الجامعات المصرية كما كانت دوماً على مر العصور منارات شامخة تضيء طريق النهضة، وتقود قاطرة الوطن نحو مدارات المجد والريادة.

google-playkhamsatmostaqltradent