المشترك اللفظي في القرآن الكريم.. "إبحار بين رحابة اللغة ودقة المعنى"
بقلم: د. طارق عتريس أبوحطب
رئيس لجنة شئون الأزهر الشريف بكفر الشيخ
لغتنا العربية ليست مجرد ألفاظ جامدة بل هي كائن حيّ يحيا بالاستعمال ويتلوّن بالسياق ويزيد ثراؤه كلما أُحسن النظر إليه ولعل من أكثر القضايا التي كشفت عن هذه الحيوية مثيرة جدلا إزليا ممتدا قضية المشترك اللفظي لأنها ظاهرة يتعدد فيها المعنى بينما اللفظ واحد ومع كون هذه الظاهرة مألوفة في كلام العرب شعرًا ونثرًا إلا إن حضورها في القرآن الكريم منحها أبعادًا أعمق تتجاوز فضاء الدرس اللغوي إلى آفاق التفسير والبلاغة وأصول الفقه بل وإلى طبيعة الإعجاز القرآني ذاته ويُعرّف المشترك اللفظي بأنه اللفظ الواحد الدال على معنيين مختلفين أو أكثر دلالةً متساوية عند إطلاقه دون أن يكون أحد المعنيين أولى من الآخر إلا بقرينة مثلا كلفظ العين الذي قد يدل على العين المبصرة أو عين الماء أو الجاسوس أو الذهب أو الذات فاللفظ واحد لكن المعنى يتشكل بحسب السياق وقد عرف العرب هذه الظاهرة قبل التدوين وتعاملوا معها بفطرة لغوية سليمة فلم تكن سببًا في لبس أو استشكال لأن السياق، والمقام والعرف اللغوي أمور تكفي لتحديد المراد ولم يظهر الخلاف حول وجود المشترك في اللغة فهذا متفق عليه وإنما حول وجوده في القرآن الكريم فنرى جمهرة العلماء من لغويين ومفسرين كابن جني والزمخشري والرازي والقرطبي وغيرهم يثبتون للمشترك في القرآن ويرون أن القرآن نزل بلسان عربي مبين ومن لسان العرب المشترك اللفظي فلا فائدة لنفيه ونجد فريقا متحفظا نافٍيا يقول بعضهم إن القرآن لا يحتمل المشترك الحقيقي لأن المشترك مظنة الإبهام والقرآن منزه عن الإبهام ومن أشهر من نُسب إليه هذا الرأي أبو علي الفارسي وبعض الأصوليين لكننا بالبحث نستجلي أن الخلاف لفظي أكثر منه حقيقي إذ إن الجميع متفق على أن القرآن لا يستشكل معناه على القارئ إذا أمعن النظر في السياق سواء سمينا الظاهرة مشتركًا أو تعددًا دلاليًا أو استعمالًا مجازيًا، والقرآن لا يستخدم المشترك عبثًا ولا يترك القارئ حائرًا بين معانٍ متزاحمة بل يجعل السياق حاكمًا والقرائن هادية بل أحيانًا يجعل تعدد المعنى مقصودًا لذاته خذ مثلًا لفظ الكتاب في القرآن﴿ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ القرآن و﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ الفرض و﴿وَكُلَّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ﴾السجل فاللفظ واحد لكن السياق لا يترك مجالًا للخلط بل يفتح باب التأمل في العلاقة بين معاني الكتابة والإثبات والتدوين والتشريع وتأمل معي بعض الأمثلة البارزة للمشترك اللفظي في القرآن مثلا كلمة الأمة وردت في القرآن بمعانٍ متعددة الجماعة في ﴿وَوَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ النَّاسِ﴾ والدين في﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ﴾ والزمن في ﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾، والإمام القدوة في ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ وهنا يتجلى إعجاز الدلالة إذ يجمع اللفظ بين الاجتماع والقيادة والاستمرار وكأن المعاني جميعها تنصهر في بوتقة واحدة وكلمة الروح تارة يقصد بها جبريل عليه السلام والوحي والنفخة الإلهية.
وأيضا القوة المعنوية ويتعامل القرآن مع هذا اللفظ تعاملاً مقصودًا لأن الروح بطبيعتها غيبية فجاء اللفظ مشتركًا ليحافظ على هذا البعد الغيبي وخذ كلمة اليد تجدها، قد تدل على الجارحة أو القدرة والنعمة والسلطان.
وفي الآيات المتعلقة بالله تعالى، يكون السياق والعقيدة فاصلين فلا يُفهم اللفظ على ظاهره الحسي بل على ما يليق بجلال الله، دون تعطيل ولا تشبيه والآن نصل إلى جوهر المسألة فالمشترك اللفظي في القرآن ليس ضعفًا دلاليًا بل قوة تعبيرية فاللفظ الواحد قد يؤدي معنيين صحيحين في آن واحد دون تناقض، وهو ما سماه بعض العلماء تعدد الدلالة المقصود.. ومن أبدع الأمثلة قول الله تعالى ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾، فـكلمة عسعس تحتمل: أقبل أو أدبر وكلا المعنيين صحيح والآية تحتملهما معًا فيكتمل مشهد الزمن بين الإقبال والإدبار وكأن الليل يُرى في حركته لا في لحظة جامدة والمفسر النابه لا يعمد لاختيار معنى واحدًا لمجرد الذوق بل ينظر في السياق العام وفي أسباب النزول واستعمال العرب، وانسجام المعنى مع مقاصد الشريعة، وأحيانًا يكون الجمع بين المعنيين أولى من الترجيح وذلك إذا لم يكن بينهما تضاد وهذا من أسباب ثراء التفاسير وتعدد مدارسها دون أن يكون ثمة تناقض ونأتي إلى أصول الفقه فنجد للمشترك اللفظي أثرا بالغا في، دلالات الألفاظ، العموم والخصوص، الإطلاق والتقييد، واستنباط الأحكام، وقد ناقش الأصوليون أمرا بالغ الأهمية.
هل يجوز حمل المشترك على جميع معانيه؟ وأجابوا على ذلك إن كان السياق يحتمل والمعاني غير متناقضة جاز ذلك، وإلا وجب الترجيح وتأصيلا على ما سبق ليست قضية المشترك اللفظي في القرآن مسألة لغوية تطرح على هامش الدرس بل نافذة لفهم طبيعة الخطاب القرآني نفسه فالقرآن لا يخاطب عقلًا واحدًا ولا زمنًا واحدًا بل يخاطب الإنسانية في امتدادها فجاءت ألفاظه قابلة للتجدد ثرية بالدلالة محكمة بالسياق ومن الخطأ أن نطلب من القرآن لغة أحادية جامدة لأن ذلك يُفرغه من أحد أوجه إعجازه الكبرى أعني سعة المعنى مع إحكام المبنى، فالمشترك اللفظي في القرآن ليس غموضًا بل عمق وإعجاز وليس التباسًا بل دعوة للتدبر والتأمل وكلما أعدنا النظر فيه ازددنا يقينًا بأن هذا الكتاب لا تنقضي عجائبه ولا يخلق على كثرة الرد لأنه تنزيل من حكيم حميد لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه به تنصلح إمور الدنيا والدين.
