الإعلام ضمير وطني لا يساوم
بقلم: حاتم السعداوي
لا تُختزل قوة الدول في مؤشرات الاقتصاد أو اتساع العمران وحده، بل تتجلى بصورة أعمق في قدرتها على حماية وعي مجتمعها، وصيانة منظومة القيم التي تحكم العلاقة بين المواطن والدولة. وفي هذا الإطار، يبرز دور الإعلام بوصفه أحد الأعمدة الأساسية لأي دولة تسعى إلى الاستقرار والتنمية المستدامة، لا باعتباره أداة صدام أو تصفية حسابات، وإنما كوسيلة إنذار مبكر، ومرآة تعكس الواقع كما هو، دون تهويل أو تزييف.
الإعلام في جوهره ممارسة مسؤولية، تستمد قوتها من المصداقية والالتزام بالمصلحة العامة. فالإعلامي المهني لا يقف في موقع الخصومة مع مؤسسات الدولة، ولا يتعامل مع القضايا من منطلق التشهير أو الإثارة، بل ينطلق من حق المجتمع في المعرفة، وواجب التنبيه إلى مواطن الخلل التي قد تهدد سلامته أو تمس جودة حياته. ومن هنا، يصبح الإعلام عينًا يقظة، تراقب الأداء العام، وتنقل ما تراه بموضوعية، وتفتح مساحات للنقاش الهادئ القائم على الوقائع.
ومع اتساع المجتمعات وتعقّد أنظمتها، تتنوع صور المخالفات التي قد تظهر في قطاعات مختلفة، سواء ما يتعلق بسلامة الغذاء، أو الالتزام بالمعايير البيئية، أو انتظام الخدمات العامة. وفي مثل هذه القضايا، لا يكون دور الصحافة توجيه الاتهام، وإنما إلقاء الضوء، وطرح الأسئلة المشروعة، وترك المجال للجهات المعنية لتوضيح الحقائق واتخاذ ما يلزم من إجراءات. فالتناول الإعلامي الرصين لا يستهدف الأشخاص، بل يناقش الظواهر، ويبحث عن الأسباب، ويعرض النتائج المحتملة على المجتمع.
وتكمن أهمية الإعلام في قدرته على تحويل القضايا الفردية إلى نقاش عام، دون أن يفقد توازنه أو ينزلق إلى إصدار الأحكام. فحين يُطرح ملف يمس صحة المواطنين أو أمنهم، فإن ذلك لا يُعد إدانة مسبقة، بل مساهمة في الوقاية، ودعمًا لجهود الإصلاح، وتعزيزًا لمبدأ المحاسبة الذي تقوم عليه الدول الحديثة. وفي هذا السياق، تصبح الصحافة شريكًا في التنمية، لا عائقًا أمامها.
كما أن ممارسة الإعلام لدوره الرقابي لا تنفصل عن احترام القانون وأخلاقيات المهنة. فالكلمة حين تُكتب بوعي، تصبح أداة بناء، وحين تُطلق بلا ضوابط، قد تتحول إلى مصدر ارتباك. لذلك، يظل الالتزام بالدقة، والتحقق من المعلومات، وإتاحة حق الرد، ركائز لا غنى عنها لضمان أن يؤدي الإعلام رسالته دون الإضرار بالأفراد أو المؤسسات.
وفي النهاية، يبقى الإعلام الوطني القائم على المهنية والاتزان أحد أهم أدوات حماية المجتمع من التآكل الداخلي، لا بالسيف، بل بالحقيقة، ولا بالصوت المرتفع، بل بالكلمة المسؤولة. هو درع للوطن حين يلتزم بالموضوعية، وسند للدولة حين يفتح أبواب التصحيح، وضمير حيّ يذكّر الجميع بأن الاستقرار الحقيقي يبدأ من الشفافية، وينمو بالحوار، ويستمر بالثقة المتبادلة.
