من الشاشات إلى الكتب.. هل يعود العالم إلى «الكتاب والقلم»؟
مفارقة العصر الرقمي: الدول الأكثر تقدمًا تكتشف أن التكنولوجيا لا تستطيع أن تحل محل المعلم والكتاب
بقلم: الأستاذ الدكتور عيد عبدالواحد علي درويش
عميد كليتي التربية والتربية للطفولة بجامعة المنيا سابقاً
ورئيس الجهاز التنفيذي لتعليم الكبار بمصر سابقاً
في الوقت الذي تتسابق فيه دول العالم لإدخال الذكاء الاصطناعي والأجهزة اللوحية والمنصات الرقمية إلى المدارس، بدأت دول متقدمة تكنولوجياً في طرح سؤال مختلف: هل منحنا الشاشات مساحة أكبر مما ينبغي داخل المدرسة؟
السؤال لم يعد مجرد نقاش تربوي، وإنما تحول إلى اتجاه رسمي في عدد من الدول، وفي مقدمتها السويد، التي بدأت منذ عام 2023 إعادة النظر في الاستخدام المكثف للشاشات داخل المدارس، مع تعزيز القراءة، والكتاب، والكتابة اليدوية والمهارات الأساسية.
السويد: الكتاب يعود إلى الفصل
التجربة السويدية لا تمثل حرباً على التكنولوجيا، وإنما محاولة لإعادة تعريف العلاقة بين الإنسان والتكنولوجيا داخل العملية التعليمية. فالتكنولوجيا يمكن أن تكون أداة شديدة الفاعلية، لكنها لا تصبح أكثر فاعلية لمجرد زيادة استخدامها.
فالطفل الذي يتعلم القراءة من كتاب ورقي، ويكتب بيده، ويتحدث مع زملائه ومعلمه وجهاً لوجه، ويشارك في نشاط جماعي، لا يتعلم بالطريقة نفسها التي يتعلم بها طفل يقضي ساعات طويلة أمام شاشة يتلقى من خلالها المعلومات بصورة سريعة ومتقطعة.
المشكلة ليست في الشاشة ذاتها، وإنما في أن تتحول الشاشة من وسيلة تعليمية إلى بيئة تعليمية كاملة.
وفي السويد اتجهت الحكومة إلى تعزيز القراءة والكتابة والحساب وإعادة بناء نظام مدرسي قائم بصورة أكبر على المعرفة والمهارات الأساسية، مع زيادة توفير الكتب المدرسية وتقليل استخدام الهواتف المحمولة داخل المدارس.
لماذا حدثت هذه المراجعة؟
لأن التعليم ليس مجرد نقل للمعلومات، فالطفل يحتاج إلى أن يقرأ بتركيز، ويكتب بيده، ويتحدث مع زملائه، ويستمع إلى معلمه، ويشارك في نشاط جماعي، ويحل مشكلة، ويخطئ ثم يحاول مرة أخرى.
أما الشاشة، مهما بلغت قدرتها، فهي تظل أداة، وقد تتحول الأداة المفيدة إلى مشكلة عندما تصبح بديلاً عن الخبرة التعليمية الحقيقية.
وفرنسا تتحرك في الاتجاه نفسه
فرنسا اتخذت هي الأخرى خطوات واضحة باتجاه تنظيم الوجود الرقمي في المدرسة، وإبعاد الهواتف المحمولة عن الطلاب أثناء اليوم الدراسي، مع توسيع السياسة لتشمل المدارس الثانوية بدءاً من العام الدراسي 2026/2027.
والدلالة الأهم أن فرنسا والسويد لا تقولان: ألغوا التكنولوجيا، بل تقولان: اضبطوها. فالتكنولوجيا تظل موجودة، ولكن في إطار تربوي أكثر انضباطاً، وعندما تضيف قيمة تعليمية حقيقية.
ليست حرباً على التكنولوجيا
من الخطأ أن نفهم ما يحدث في السويد وفرنسا على أنه عودة إلى الماضي، فبينهما لا تغلقان أبوابهما أمام الذكاء الاصطناعي، وإنما تنتقلان من مرحلة الرقمنة بلا حدود إلى مرحلة الرقمنة الهادفة.
لقد كان السؤال منذ سنوات: كيف ندخل التكنولوجيا إلى المدرسة؟ ثم أصبح: كيف نستخدم التكنولوجيا في التعليم؟ أما السؤال الأكثر نضجاً الآن فهو: متى يكون استخدام التكنولوجيا مفيداً، ومتى يصبح عائقاً أمام التعلم؟
المعلم لا يمكن استبداله بشاشة
من أخطر التصورات التي صاحبت الثورة الرقمية الاعتقاد بأن التكنولوجيا يمكن أن تحل محل المعلم. والحقيقة أن التكنولوجيا تستطيع أن تساعد المعلم، وتوفر مصادر متنوعة، وتحلل بيانات الطلاب، وتساعد في إعداد الأنشطة والاختبارات، ويمكن للذكاء الاصطناعي أن يصبح شريكاً مهماً في بعض المهام التعليمية.
لكن المعلم يظل صاحب الدور الإنساني والتربوي الذي لا يمكن اختزاله في نقل المعلومات، فالطفل لا يحتاج فقط إلى إجابة صحيحة، بل يحتاج إلى من يفهم خوفه، ويشجعه عندما يفشل، ويكتشف موهبته، ويعلمه التعاون والحوار.
الكتاب الورقي لم يمت
ربما كان أكثر ما يلفت الانتباه في التجربة السويدية هو إعادة الاعتبار إلى الكتاب. فالكتاب الورقي يمنح الطفل تجربة مباشرة، ويتيح له القراءة بعيداً عن الإشعارات والمشتتات، بينما تظل الكتابة اليدوية مهارة أساسية في مراحل التعلم الأولى.
وماذا عن أطفالنا؟
هذه التجارب الدولية يجب ألا تمر أمامنا مروراً عابراً، ففي عالمنا العربي نعيش التحول الرقمي، وتشهد توسعاً سريعاً في استخدام الأجهزة والمنصات التعليمية والذكاء الاصطناعي، لكن المطلوب ليس رفض التكنولوجيا، وإنما إدارة استخدامها تربوياً.
نحتاج إلى أن نسأل: هل يستخدم الطفل الجهاز لأنه يحتاج إليه فعلاً؟ هل يضيف التطبيق قيمة تعليمية؟ هل يستطيع الطالب القراءة والكتابة بعيداً عن الشاشة؟ هل ما زال قادراً على التركيز؟ وهل يمارس الأنشطة الرياضية والاجتماعية؟
الذكاء الاصطناعي يجعل المهارات الأساسية أكثر أهمية
المفارقة الكبرى أن عصر الذكاء الاصطناعي لا يجعل القراءة والكتابة والتفكير أقل أهمية، بل يجعلها أكثر أهمية. فالطالب الذي لا يستطيع قراءة نص بصورة نقدية لن يستطيع تقييم إجابة ينتجها الذكاء الاصطناعي، والذي لا يستطيع الكتابة والتعبير لن يستطيع توظيف أدواته بصورة واعية.
المدرسة المستقبلية ليست مدرسة بلا شاشات
المدرسة المستقبلية لن تكون مدرسة تقليدية خالصة، ولن تكون مدرسة رقمية خالصة. إنها مدرسة تجمع بين الكتاب والتكنولوجيا والمعلم والذكاء الاصطناعي والنشاط والحوار الإنساني.
العودة إلى الأساسيات ليست عودة إلى الوراء
إن أهم رسالة يمكن أن نتعلمها من السويد وفرنسا هي أن التطور الحقيقي لا يعني التخلص من كل ما هو قديم. فقد يكون المستقبل أحياناً بحاجة إلى بعض أدوات الماضي. القلم لم يصبح عديم القيمة لأن لوحة المفاتيح ظهرت، والكتاب لم يفقد قيمته لأن الجهاز اللوحي ظهر، والمعلم لم يصبح غير ضروري لأن الذكاء الاصطناعي ظهر.
الخلاصة، إن ما يحدث في بعض الدول الأوروبية ليس تراجعاً عن المستقبل، وإنما إعادة ضبط البوصلة التعليم. والمعركة الحقيقية ليست بين الكتاب والشاشة، وإنما بين الاستخدام الواعي والاستخدام العشوائي. والمدرسة الحديثة لا تحتاج إلى اختيار أحدهما، بل إلى معرفة متى تستخدم كل أداة.
وربما تكون المفارقة أن الدول التي سبقتنا في الرقمنة هي التي بدأت اليوم تقول لنا: لا تتخلوا عن الكتاب، لا تهملوا المعلم، لا تستهينوا بالقلم، ولا تجعلوا الشاشة بديلاً عن الحياة، ففي نهاية المطاف، المدرسة ليست شاشة كبيرة، وإنما انسان صغير يتعلم كيف يصبح إنساناً كبيراً.
